|
تتميز مصر حالياً بثلاث ظواهر أساسية، فيما يتعلق بالعلاقة بين السكان
والعمران:
- ارتفاع معدل نمو السكان بشكل عام، وعلى نحو أعلى فى الريف عنه فى الحضر.
- انعكاس حركة الهجرة السابقة من الريف إلى داخل الحضر؛ لتصبح هجرة ريفية من منطقة
ريفية لأخرى أيضاً ريفية.
- ارتفاع معدل نمو العمران الريفي في المناطق الريفية التي تجاور الحضر أو تقع فى
نطاق حضرى عن معدل المواليد، وعن معدل نمو السكان بها أيضاً، و عن المتوسطات
العامة للجمهورية.
أ- معدلات نمو مرتفعة للسكان
تشير التعدادات السكانية إلى تضاعف عدد سكان مصر، خلال الثلاثين عاماً من
1947-1976 ووصوله إلى 36 مليون نسمة؛ نتيجة لارتفاع معدلات النمو السنوى للسكان من
1.8 % إلى 1.9%. واستمرت معدلات نمو المواليد فى الارتفاع لتصل إلى أعلاها فى عام
1986 لتسجل 2.8% . وعلي الرغم من اتجاهها إلى الانخفاض النسبى عن ذلك المعدل
لتقارب معدلات السبعينيات.. إلا أن عدد السكان في مصر خلال الثمانية والعشرين
عاماً (من 1976 حتى 2004) قد تضاعف مرة أخرى ليصل إلى حوالى 70 مليون نسمة. وإذا
لم يحدث تغير ملحوظ فى معدلات نمو السكان فى المستقبل القريب.. فمن المتوقع بحلول
عام 2020 أن يصل العدد إلى 96 مليون نسمة بزيادة حوالي 26 مليون نسمة* .
وفى الوقت الذى يرتفع فيه معدل الإنجاب فى الأسرة بشكل عام، فإنه من الملاحظ أنه
كان في الريف أعلى منه في الحضر دائماً.. فقد كان فى الحضر 3.5 طفل فى عام 1988،
فى مقابل 5.4 فى الريف. ومع اتجاه المعدل العام لنمو السكان إلى الانخفاض، فإن
الفرق بين الحضر والريف ظل قائماً؛ فبينما وصل فى الحضر إلى 2.8 طفل فى 1996، سجل
على المقابل فى الريف 3.9 طفل فى العام نفسه.
وكان من المتوقع مع هذه الفروق أن يكون معدل نمو سكان الحضر أقل من الريف؛ ولكن
الواقع يشير إلى عكس ذلك؛ فالهجرة من الريف إلى الحضر كانت تجعل معدل نمو السكان
في الحضر أعلى منه في الريف، وهو الوضع الذى استمر حتى منتصف الثمانينيات تقريباً.
ولكن منذ ذلك الوقت بدأت معدلات نمو المواليد المرتفعة فى الريف تؤثر بشكل أكثر
وضوحاً على معدلات نمو السكان فيه؛ نتيجة لأن حركة الهجرة الداخلية بدأت تأخذ
منهجاً جديداً، وتصبح فى الأساس من الريف إلى مناطق أخرى أكثر جذباً فى الريف.
فعلى سبيل المثال، بلغ معدل النمو السنوي لسكان الحضر 3.2% في خلال الفترة
1976/1986، في حين سجل معدل نمو الريف 1.4% للفترة نفسها. أما في خلال الفترة بين
إحصائيى 1986/1996؛ فقد بلغ معدل النمو لسكان الحضر 2%، وهو يقل عن معدل نمو سكان
الريف الذي سجل 2.3%، ويقل أيضاً عن معدل النمو السكاني الكلي للجمهورية الذي بلغ
2.1% سنوياً؛ ولهذا تشير التعدادات إلى أن نسبة سكان الحضر إلى جملة سكان
الجمهورية اتجهت إلى الارتفاع في تعدادات 1947، 1960، 1976؛ حيث بلغت على التوالي
33.5%، 38.2%، 43.8%، إلا أنها انخفضت إلى 43% في تعداد 1996. وفى المقابل، اتجهت
نسبة سكان الريف إلى جملة سكان الجمهورية نحو الانخفاض في تعدادات 1947، 1960،
1976، حيث بلغت على التوالي 66.5%، 61.8%، 56.2%؛ إلا أنها ارتفعت كما أظهر تعداد
1996؛ حيث بلغت 57%، ويتوقع أن تصل بحلول 2020 إلى حوالي 60% *.
ب- طلب كبير على العمران
أدى تزايد عدد السكان إلى حدوث نمو عمراني كبير في مصر، والملاحظ أن جزءاً كبيراً
من النمو العمرانى الذى شهدته الأراضى المصرية لم يكن إضافة إلى المعمور المصري،
ولكن كان تغيراً فى استعمالات الأراضي من الزراعة إلى البناء.
ويلاحظ أن عدد سكان مصر قد زاد من 48 مليون إلي 70 مليون نسمة في خلال الفترة من
1986 إلي 2004 أي 22 مليون نسمة؛ أى إن سياسات بناء المدن الجديدة قد استوعبت
حوالي 1.5 مليون نسمة من الزيادة السكانية. أما أراضي الاستصلاح فقد استوعبت حوالي
2.5 مليون نسمة، وقدر استيعاب المحافظات الصحراوية (شمال وجنوب سيناء- القناة –
البحر الأحمر – مطروح – الوادي الجديد) والمدن ذات الظهير الصحراوي بحوالي 3.5
مليون نسمة، وتوازى مع ذلك سياسات استهدفت زيادة كفاءة استغلال المعمور القائم
فعلاً، من خلال الإحلال والتكثيف واستخدام المتخللات، وقدرت الزيادة داخل نطاقات
المدن والقرى (الإحلال والتجديد -بناء المتخللات – زيادة ارتفاع المباني - زيادة
التكدس) بحوالي 3 ملايين نسمة خلال الفترة.
وفيما يتصل ببقية الزيادة فى السكان، وتبلغ أحد عشر مليون نسمة.. فكر المجتمع فى
صياغة طرح عمرانى جديد يمكن من استيعابهم عن طريق تقديم مفهوم التخطيط العمرانى،
كأساس لتوسيع الأحوزة العمرانية فى الريف، ولهذا صدر قانون التخطيط العمرانى فى
عام 1982، وحوى أطروحات مهمة حول دور المحليات وهيئة التخطيط العمرانى فى التخطيط
للقرى والمراكز فى الريف، وأهمية أن يتم ذلك فى إطار حاكم، أساسه الحفاظ على الأرض
الزراعية والنشاط الزراعى. ولكن لعظم المسئولية، فقد خاف المجتمع من التخلى عن
دوره المركزى فى الحفاظ على الأرض، وتردد من إمكانية فتح ولو قناة صغيرة للبناء
على الأرض الزراعية، وخاف أن يؤدى ذلك إلى تمرير إشارات خطيرة تفتح المجال لزحف
لانهائى للإسكان يأكل كل الأرض الزراعية.. فاتجه إلى إصدار التشريعات التى تمنع و
تحظر تماماً البناء على الأرض الزراعية، وتم تقنين ذلك من خلال إضافة كتاب ثالث
لقانون الزراعة فى عام 1983، يمنع تماماً البناء على الأرض الزراعية. (انظر
إطار (1/أ،ب) في ملخص للإطار القانوني للبناء على الأرض الزراعية).
وعلى الرغم من كل حسن النوايا.. فلم يكن أمام بقية السكان (أحد عشر مليوناً) إلا
أن يمتدوا بالمخالفة للقوانين على الأراضي الزراعية في القرى وحول المدن بشكل غير
مخطط وغير منظم، وأن يتحولوا جميعاً إلى مخالفين للقانون، بل إن شعورهم بعدم تفهم
المجتمع لحاجاتهم المشروعة للسكن؛ حيث اختاروا -في الريف- أدى إلى سلوك يخرق
القانون، ويتحايل عليه في قضية دفاع عن وجودهم ورغباتهم. كما أن القضاء العادل لم
يستطع إلا أن يتفاعل معهم ويستشعر أزمتهم؛ فيشير تقرير المجالس القومية المتخصصة
(يوليو 2003) في بحثه لـ "قضية الامتدادات العمرانية وتآكل الأرض الزراعية" إلى
انه من بين حوالي 122 ألف قضية تعدٍ على الأرض الزراعية، وصلت إلى ساحة القضاء
للفصل فيها- في أنحاء الجمهورية خلال الفترة 12/5/1996 -31/3/2002، فإن حوالي 89
ألف قضية منها، حكم فيها بالبراءة، وتم إسقاط أو حفظ حوالي 10 آلاف قضية أخرى.
إطار (1/أ) الإطار القانوني للتخطيط العمراني في الريف
ا- اطار التخطيط العمراني في الريف كما تمت صياغته فى قانون التخطيط العمراني:
الباب الأول من قانون التخطيط العمرانى 1982(في شأن تخطيط المدن والقرى)،
الفصل الأول (في شأن التخطيط العام):
مادة (1)
تتولى الوحدات المحلية كل في دائرة اختصاصها من خلال لجنة بكل محافظة تختص بشئون
التخطيط العمراني، إعداد مشروعات التخطيط العام للمدن والقرى.......
مادة (2)
يراعى في إعداد مشروعات التخطيط العام للمدن والقرى أن يكون عاما وشاملا ومحققا
للاحتياجات العمرانية على المدى الطويل، وأن يكون قائما على أساس من الدراسات
البيئية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية، وأن تراعى فيه وجهة النظر العسكرية
ومقتضيات وسلامة الدفاع عن الدولة، كما تراعى فيه وضع المدينة أو القرية بالنسبة
للمحافظة والإقليم الواقعة به أو الأقاليم المحيطة.......
مادة (4)
على الوحدات المحلية مراجعة التخطيط العام كل خمس سنوات على الأكثر لضمان ملاءمته
للتطور العمراني والاقتصادي والاجتماعي والأوضاع المحلية وتقدم نتيجة المراجعة إلى
الوزير المختص بالتعمير......
مادة (18)
يجوز لاعتبارات تتعلق بتوجيه الامتداد العمراني للمدن والقرى.......... أو للحفاظ
على الرقعة الزراعية أن تحدد الوحدة المحلية مراحل التعمير، التي لا يجوز أن تتم
أعمال التقسيم إلا وفقا لها وتبين في كل مرحلة المناطق الداخلة فيها، كما تبين
قواعد الانتقال من مرحلة إلى المرحلة التي تليها، ويصدر بذلك قرار من الوزير
المختص بالتعمير، بعد أخذ رأي الوزير المختص بالزراعة.
إطار (1/ب) الإطار القانوني للتخطيط العمراني في الريف
ب- الإطار المطبق يحكمه قانون الزراعة، كالآتي:
الكتاب الثالث في "عدم المساس بالرقعة الزراعية والحفاظ على خصوبتها" (1983)
مادة (152)
يحظر إقامة أية مبان أو منشآت في الأرض الزراعية أو اتخاذ أية إجراءات في شأن
تقسيم هذه الأراضي لإقامة مبان عليها.
ويعتبر في حكم الأرض الزراعية، الأراضي البور القابلة للزراعة داخل الرقعة
الزراعية.
ويستثنى من هذا الحظر:
(أ) الأرض الواقعة داخل كردون المدن المعتمدة حتى 1/12/1981، مع عدم الاعتداد بأية
تعديلات على الكردون، اعتباراً من هذا التاريخ إلا بقرار من مجلس الوزراء.
(ب) الأراضي الداخلة في نطاق الحيز العمراني للقرى، والذي يصدر بتحديده قرار من
وزير الزراعة بالاتفاق مع وزير التعمير.
(جـ) الأراضي التي تقيم عليها الحكومة مشروعات ذات نفع عام بشرط موافقة وزير
الزراعة
(د) الأراضي التي تقام عليها مشروعات تخدم الإنتاج الزراعي أو الحيواني، والتي
يصدر بتحديدها قرار من وزير الزراعة.
(هـ) الأراضي الواقعة بزمام القرى التي يقيم عليها المالك مسكناً خاصاً به، أو
مبنى يخدم أرضه، في الحدود التي يصدر بها قرار من وزير الزراعة.
وفيما عدا الحالة المنصوص عليها في الفقرة (جـ)، يشترط في الحالات المشار إليها
آنفا صدور ترخيص من المحافظ المختص، قبل البدء في إقامة أية مبان أو منشآت أو
مشروعات ويصدر بتحديد شروط وإجراءات منح هذا الترخيص قرار من وزير الزراعة،
بالاتفاق مع وزير التعمير.
جـ-عمران عشوائي و إسكان غير رسمي
أدى الطلب الكبير على العمران في الريف، والتخوف من الاستجابة له، إلى هدر ما يزيد
عن المليون فدان على مدار الأربعين عاماً الماضية؛ نتيجة لزحف المباني على الأرض
الزراعية، دون تخطيط فيما عرف بظاهرة هدر الأرض الزراعية، من خلال تجاوز حاد
للنطاقات العمرانية القانونية في الريف (حيز 1985)، علاوة على خلق ظروف معيشية
وبيئية واجتماعية، أقل من المستوى، الذى توفره فعلاً أطر التخطيط العمرانى الرسمى
والقنوات الرسمية لاستيعاب السكان، فيما عرف بظاهرة عشوائيات المدن.
وفيما يلى نرصد كل ظاهرة على حدة نتيجة لاختلاف طبيعة كل منهما والآثار
المترتبة عليها:
- عشوائيات المدن
أدت حركة الهجرة من الريف إلى المدينة إلى التوسع في عمران المدن القائمة في اتجاه
الأرض الزراعية المتاخمة لها، وقد كانت هذه التوسعات، قبل عام 1981، تعد امتداداً
للعمران الحضري؛ مما يعنى أنه كانت هناك آليات تسمح بالاعتراف بهذه الامتدادات بعد
حدوثها، مع تلاحم الكتلة الحضرية مع القرى المجاورة أو أجزاء منها. ولكن حدوث هذا
العمران دون تخطيط مسبق للمرافق والخدمات جعله يأخذ شكلاً عشوائياً، وقد أدت هذه
الظاهرة إلى نشوء ما يعرف بعشوائيات المدن على الأرض الزراعية، والتي تمثل حوالي
80% من ظاهرة عشوائيات الحضر في مصر في الوقت الحالي.
وقد اتجه عدد عشوائيات الحضر في كل محافظات الجمهورية إلى الزيادة من حيث العدد
وحجم قاطنيها؛ ورغم وجود خطط لتطوير العشوائيات إلا أنه – في أحيان كثيرة – يصعب
أو يستحيل إدخال مستوى معقول من الخدمات؛ نتيجة لطبيعة البناء العشوائي، الذي يتسم
بالتلاحم الشديد للكتل السكنية والضيق في عروض الشوارع، وهى المشاكل التي تنتج من
أن تسبق إقامة المباني في مكان ما تفعيل مخططات عمرانية له؛ فتطوير العشوائيات هي
عملية يفرضها تأخر المجتمع في التفاعل مع الظواهر التي تحدث فيه، ويكون الإنجاز
الممكن تحقيقه من خلالها محدوداً. إضافة إلى أن المرافق البسيطة الممكن ادخالها
ستتطلب مبالغ مضاعفة لادخالها، مقارنة بالوضع الأمثل الذى كان التخطيط المسبق
للمرافق وتوافر تقسيمات عامة علمية سيوفره.
ومنذ صدور الباب الثالث فى قانون الزراعة والخاص بحماية الأرض الزراعية فى 1983..
فان كردون المدن فى عام 1981 أصبح المرجع الوحيد غير القابل للتعديل (إلا بقرار من
وزير الزراعة) الذى يحدد الكردون الرسمى، والذى تم رصده بحيث يطوق فقط الكتلة
العمرانية الكائنة وقتها، بما يجعل أى امتدادات جديدة للمدن على الأرض الزراعية
المجاورة غير قانونية ولا يتم ضمها إلى مسطح العمران الحضرى. والمشكلة العمرانية
التى تترتب على ذلك أن هذه الامتدادات مازالت تحسب على أنها جزء من الريف،
وبالتالى لا تطبق عليها الاشتراطات التخطيطية للحضر وهو أمر فى غاية الخطورة نتيجة
لأنها أصبحت تعيش فعلاً فى منظومة البناء الحضرى.
ومن هنا نجد أنه بينما انتهي الزمام الزراعي تماماً بالبناء عليه لعديد من القرى
الملتحمة مع الحضر (ومن النماذج على ذلك قرى الخصوص وصفط اللبن وبسوس التي التحمت
بالقاهرة، وقرية القلج التي التحمت مع المرج، وكفر الجزار التي التحمت مع بنها)..
ووصلت الكثافة السكانية العشوائية في تلك القرى إلى مستويات أعلى بكثير من
الاشتراطات التخطيطية المعتمدة للحضر، ويبلغ متوسط ارتفاعات المباني فيها حوالى
خمسة أدوار بطابع التقسيم الحضرى إلى شقق، ويختفى طابع البناء الريفي تماماً حتى
فى قلب تلك القرية، وتكاد تنعدم المتخللات بها؛ مما يجعلها تعانى من مشاكل تكدس
سكانى، مع انخفاض نسبة الإمداد بالخدمات العامة الرسمية. ومع ذلك.. فإن كل هذه
المناطق مازالت تحسب ضمن الريف. وتركت مسئولية تغيير وضعها لمؤسسة الزراعة؛ مما
يعنى أن المجتمع قد ألقى بعبء ثقيل على كاهل مؤسسة، يفترض منها أن تنمى الرقعة
الزراعية لا أن تقتطع منها، مما أوقعها فى تضارب للاختصاص وفرض عليها كما هو متوقع
منها أن تعلي قيمة الحفاظ على الأرض -حتى ولو كان شكلياً - عن إهدارها ولو كان
لاستيفاء حاجات أساسية.
والاتجاه السائد الآن، ومنذ سنوات طويلة - والمتمثل فى التخوف من تعديل كردون
المدن، وبالتالى عدم الاعتراف بالعمران الجديد حول المدن خارج كردون 1981 - سوف
يحرم هذه العشوائيات حتى من ردود الفعل المتأخرة هذه؛ إذ إنها لن تدخل فى خطة
تطوير حقيقية؛ نتيجة أن المجتمع – أساساً – لا يراها، مع عدم اعتراف وزارة
الزراعة-المسئولة حالياً عن إدارة العمران فى الريف- بوجودها؛ مما ينذر بآثار
بيئية غير مرغوب فيها فى هذه المناطق.
- هدر الأرض الزراعية فى الريف
تشير دراسات المخططات الاسترشادية المعدة من قبل هيئة التخطيط العمرانى إلى انخفاض
كفاءة استخدام الأرض الزراعية، التى امتد عليها العمران بالبناء فى القرية
المصرية؛ فعشوائية البناء تجعله يهدر أرضاً زراعية تفوق الحاجة الفعلية للإسكان.
فتشير دراسات وزارة الإسكان إلى أن الأرض الزراعية التى تم هدرها خلال الثلاثين
عاماً الأخيرة، والتى بلغت حوالى 1.2 مليون فدان، كان يمكن أن تستوعب أضعافاً من
السكان والبناء مما حدث فعلاً، وترصد توقعات الهيئة العامة للتخطيط العمرانى إلى
أن استمرار العشوائية تهدد بضياع مساحات هائلة من الأرض فى المستقبل؛ مما يعنى أنه
قد صاحب النمو العشوائى غير الكفء فى استخدام الأرض تغيير فى استعمالات الأرض من
الزراعة إلى الإسكان على نحو حاد؛ وطبقاً لدراسة المخططات الاسترشادية التى بدأتها
هيئة التخطيط العمرانى، وتناولت بالقياس والتحليل حالة 300 قرية أم فى الدلتا
بالنسبة لظاهرة الخروج عن تلك الأحوزة العمرانية المعتمدة لعام 1985، فقد تم رصد
عمومية ظاهرة الخروج عن الأحوزة المعتمدة، وأن نسب الخروج قد تراوحت حول مثلين فى
المتوسط، وإن كانت قد وصلت فى بعض الحالات إلى أوضاع صارخة؛ حيث بلغت نسبة الخروج
ثمانية أمثال الحيز المعتمد فى بعض الحالات فى القرى ذات الاتصالية العالية
بالحضر.
وقد لعبت الاتصالية العالية لهذه القرى بالمدن دوراً مهماً فى زيادة جاذبيتها
للإسكان؛ مما أسهم فى نشوء ظاهرة هجرة عديد من سكان القرى، وأيضاً المدن الصغيرة
المحيطة إليها؛ طلباً للسكن في هذه القرى، لما تحققه من فرص للحصول علي سكن بأسعار
أرخص من مثيلتها في أطراف المدن والقرى الملتحمة بالمدن، أو لإيجاد فرص عمل بهذه
القرى.
د- هل غاب كل ذلك عن المخطط؟
رفض المجتمع للتعامل بواقعية قيد المخطط
لا يمكن القول بأن المخطط لم يكن على وعي بنوعية الطلب على العمران في الريف، أو
لم تكن لديه أفكار عن التعامل مع أفكار تغيير استعمالات الأراضي، فكما يشير
إطار(2) فهناك خبرات عالمية غنية وكثيرة في هذا السياق، ذهبت كلها إلى تقديم حلول
متعددة، تتماشى مع الطلب على العمران في الريف، وكانت كلها أمام المخطط المصري.
ولكن صعوبة تقبل فكرة البناء الرسمي على الأرض الزراعية حجمت المخطط في مصر،
ومنعته من طرح تصور عمراني، يتوافق مع حاجة الطلب على العمران في الريف. ولم يمنع
هذا الإحجام من قبل المخطط اتجاه المجتمع فعلياً نحو القيام بذلك الدور، وهدر مئات
الألوف من الأفدنة، التي كان يمكن فقط طرح نسبة بسيطة منها للبناء، لو تم التقدم
بمخطط لها.
والملاحظ أن الحكومة قد حاولت استيعاب بعض الأوضاع القائمة والتصرف بواقعية؛ فقامت
بتحديد حيز عمراني جديد للقرى في عام 1985، ولكن من خلال تقنين الكتلة السكنية
القائمة فحسب فى ذلك التاريخ فقط، ولم يتجه الفكر فى وقتها إلى تطوير هذه الكتلة،
وترتب على ذلك ترك كم كبير من الجيوب الزراعية خارج الحيز الذى تم اعتماده.. لذلك
نجد أن الأحوزة العمرانية - بناء على تصوير جوى عام 1985 - هى أقرب إلى اعتباره
تحزيماً للمناطق السكنية الريفية منه إلى اعتباره حيزاً بمفهوم العمران، فالمفهوم
الأول يتضمن فقط الكتلة القائمة، أما مفهوم الحيز، فيضمن الكتلة السكنية في إطار
له أبعاد تعكس الرؤية العمرانية للمكان.
ولهذا..فإن صعوبة تقبل فكرة البناء الرسمي على الأرض الزراعية والنظر للأمور
بالتالى على نحو شامل قيدت المخطط في مصر، ومنعته من طرح تصور عمراني، يتوافق مع
حاجة الطلب على العمران في الريف.
انتقال مسئولية العمران الريفى إلى وزارة الزراعة
وتزامن مع ذلك انتقال المسئولية الفعلية للتخطيط للعمران فى الريف من الوحدات
المحلية، تحت مظلة وزارتى الإسكان والإدارة المحلية إلى وزارة الزراعة – منذ صدور
الكتاب الثالث لقانون الزراعة فى 1983(انظر إطار1/أ، ب)- مما تزامن معه عدم تطبيق
فكر التخطيط العمرانى فى الريف على نحو واضح؛ فوزارة الزراعة ليست وزارة للتخطيط
العمرانى، كما أن مفهوم العمران وما يستتبعه من تقبل تغير في استعمالات الأراضى؛
من أجل ضمان جودة الحياة - من المسئوليات التى يسائلها عنها المجتمع. وبالتالى فإن
هدر آلاف الأفدنة الزراعية فى إسكان عشوائى والدخول فى صدام بين القانون والمواطن
هى نتائج مباشرة لتخلى المجتمع عن الواقعية فى التفكير ورفضه لقبول الثقة فى
تصرفات شرائح مهمة من مواطنيه وتخوفه من الدخول فى مخاطرة لا يستطيع تحديد
أبعادها.
محاولة البحث عن حلول للعمران لسكان الريف
ركز فكر العمران فى الصحراء على بناء مدن جديدة، وكان يستهدف تكوين مجتمعات
عمرانية جديدة، تصلح لحفز النشاط الاقتصادى الصناعى والخدمى، إضافة إلى أن تقوم
بدور مهم فى خلخلة السكان من الوادى والدلتا؛ خاصة فى ضوء الفرضية التى تداولها
المجتمع بأن الزيادة السكانية فى الريف سوف تكون في أنشطة غير زراعية،
وبالتالي..فإن هذه الزيادة لن يحتاجها النشاط الزراعي في الريف؛ لذا لابد أن يترك
الأفراد الذين لا يعملون في الزراعة الريف إلى المجتمعات العمرانية الجديدة في
الحضر، وعلي ذلك فإن التفكير في العمران في الريف كان يتحدد أساساً بناءً على حاجة
النشاط الزراعي، وليس بناءً على حاجة السكان. ولقد أثبت الواقع العملى أن هذه
المجتمعات قد نجحت فى جذب أنشطة صناعية متنوعة، ولكن يحتاج تفعيل إمكاناتها فى
استيعاب مزيد من السكان على النحو المأمول إلى مزيد من الوقت.
وقد ظهر حديثاً فكر الظهير الصحراوى كمجتمعات ريفية جديدة فى الأعوام القليلة
الماضية- كفكر موازٍ للمدن كتجمعات حضرية جديدة، إلا أٍنه لم يتم رصد محاولات
سابقة لتحليل مدى إمكانية الاستفادة من الظهير الصحراوى ومدى إتاحته، وهل هو يصلح
فعلاً لامتداد العمران الريفى عليه، ولاستيفاء الاشتراطات البيئية والطبيعية
والاقتصادية أم لا، وهل هو شاغر أم مستخدم فى الاستصلاح الزراعى وأنشطة أخرى، وما
الخريطة التشريعية التى تتيح استخدامه. وقد قام الحزب ببحث هذا البديل بما يضمن
تفعيل عمله، كما يتضح عند عرض توجهات الحزب والحكومة فى الجزء الثانى من ورقة
السياسات الحالية.
رد فعل الناس فى الريف وخسارة الجميع
كل ذلك جعل الناس فى الريف يأخذون المبادرة بأنفسهم، ويتجهون بالفعل إلى البناء
على الأرض الزراعية ويتكاتفون مع بعضهم فى وجه سلطة القانون التى مارسها المجتمع،
وتفويضه لمؤسسة الزراعة؛ نيابة عنه فى التعامل الجزئى مع طلبات البناء كحالة حالة؛
وأصبح الناس يقومون بأنفسهم بالدور الغائب للمخطط، فاتجه ساكن الريف إلى التخطيط
للبناء كما يرى هو، وكما تنعكس فيه كل مخاوفه على المستقبل وشعوره بعدم الأمان
الاجتماعى، وكمواطن يجب أن تحتل متطلباته الأساسية أولوية عند التفكير فى
استعمالات الأرض.
إضافة إلي ذلك.. خلق منع البناء على الأرض حاجة وهمية لاستيفاء طلب غير حالٍ على
السكن، كنتيجة لاتجاه عديد من المواطنين إلى تأمين سكن لأولادهم القصر، دون وجود
حاجة فعلية لذلك، لتامين المستقبل فقط، وكذلك اتجاههم إلى اقتطاع مساحات مبالغ
فيها من الأراضي الزراعية لبناء مسكن، بما يفوق احتياجاتهم في ظل الأوضاع
الطبيعية.
إن كل ما سبق يتلخص في أن تخوف المجتمع من نتائج التخطيط الواقعي للعمران أدى به
إلى اختيار أكثر الأفكار أمناً لتحقيق الحفاظ على الأرض الزراعية، وهى الحظر التام
للبناء عليها. ولكن كما أثبت الواقع، فإنها لم تكن تشكل تطبيقاً كفئاً يمكِّن
فعلاً من تحقيق الهدف، مما ترتب عليه حرمانه من مئات الألوف من الأفدنة الزراعية،
التي تم تحويلها دون فكر عمراني صحيح إلى ارض للبناء، وظهرت تخوفات حول الجودة
البيئية لهذا العمران فى الريف والمدن.
إطار(2) الخبرة الدولية في تخطيط العمران في الريف
آليات التعامل مع امتداد العمران على الارض الزراعية:
تعتمد معظم دول العالم على آليات تفعيل قوى العرض والطلب على العمران، من خلال
:
- التطوير المستمر للحيز العمرانى، والتنبؤ باتجاهات الطلب على العمران، وتحريك
العرض فى اتجاهها.
- تنظيم البناء داخل النطاقات المتطورة؛ اعتماداً على:
- التصاريح والتراخيص واشتراطات البناء والكودات.
- تقسيم وتوزيع استعمالات الأراضي.
- نقل حقوق الملكية من منطقة إلى أخرى.
- الامتداد الرأسي من خلال التكثيف.
بعض التجارب الدولية للدول النامية:
-مدينة جوهانسبرج – جنوب أفريقيا: تحتوي مدينة جوهانسبرج على عديد من متخللات
الأراضي الزراعية عند ضواحى المدينة، وتعاني هذه الأرض الزراعية من الضغط العمرانى
عليها. وتمثلت الحلول المستخدمة في التعامل مع المشكلة في الآتي:
o عمل كردون جديد للمدينة.
o تعديل استعمالات الأراضى داخل هذا الكردون.
o تكثيف الزراعة ، والسماح بالأنشطة المكملة للزراعة، وإنشاء مراكز التدريب
الزراعية، إقامة مشروعات السياحة البيئية.
o تعديل كود التخطيط لتوفير كثافة بنائية، مرتفعة فى بعض المناطق ومنخفضة فى مناطق
أخرى.
o استخدم آلية نقل حقوق الملكية فى المناطق الواقعة تحت ضغط العمران ( التوطين
خارج المناطق الزراعية).
o شراء حق التنمية من أصحاب بعض الأراضى الزراعية.
وتعد هذه التجربة مثالاً حياً للاستخدام المنطقي لسلطات الدولة والمزج بين الآليات
السابقة، بدلاً من الاعتماد على الدور التقليدي للدولة، كمنظم وحيد، لتوجيه وإدارة
العمران وإبعاده عن الأراضي الزراعية.
- مدن جنوب شرق آسيا:
- استعملت كوريا وتايوان وإندونسيا وتايلاند آليات تتيح تطوير الحيز، وتقوم بتنظيم
البناء فيه، على نحو، يتيح الاستفادة من الأرض، مع ضمان جودة الحياة.
- ونلاحظ شيوع استخدام آلية دمج وإعادة تقسيم الأراضي، والتي نشأت على الشراكة بين
القطاع الخاص والمحليات.
بعض التجارب الدولية للدول المتقدمة:
- اليابان: تقوم اليابان على الرغم من ندرة الأرض الزراعية بها بعمل تقسيمات على
الأرض الزراعية فى المناطق، التى تتنبأ بضغط العمران عليها؛ مما يساعد على
الاحتفاظ بمساحات مخططة من الزراعة داخل الكتلة العمرانية، وبالتالى الحفاظ على
جزء من الأرض الزراعية. وتسمح السلطات بالبناء المنظم على الأراضي الزراعية، من
خلال ضم وإعادة تقسيم الأراضي المبعثرة، وكذلك تطبيق آلية دمج وتنظيم الأراضي.
|